في هذه الحياة يحمل الإنسان ثقلين ثقل التجربة الشخصية وثقل التجربة الديوانية ، الأولى تشمل كيفية التعامل مع الناس ابتدءاً من الأهل وانتهاءاً بالغرباء مند الولادة حتى الموت ، أما الثانية أي الثقل أو الحمولة الديوانية الرسمية فهي تتعلق بكيفية مساهمة الشخص في المسيرة التاريخية للزمان والمكان والناس الذين وجد فيهم الشخص .الأولى حساب عواطف والثانية حساب أرقام، الأولى أمرها خاص بين الشخص وأقاربه ومعارفه ، وفي الحالتين يكذب من يدعي تجديد تجاربه، الإنسان كطلقة الرصاصة لا يصلح إلا لمرة واحدة،

فتغيير الوظائف هو مجرد تغيير مسميات وأماكن، أما الإثارة والاندفاع والشوق فلا يكون إلا في المرة الأولى، أما الثانية فهي مجرد تكرار ممل وهزيل وممسوخ .

أ.د. الهادي أبو لقمة "رحمه الله" لا ادعي معرفة شخصية واسعة به فهو يسبقني علماً ومعرفة ودرجة، أنا طالب وهو أستاذ، والطالب والأستاذ مهما اقتربا يظل حجاب الحياء والاحترام هو المسيطر بينهما .

لكن إذا طلب إلي تقييم الأستاذ والدكتور الهادي في جملة لقلت أنه محب للحياة ومتصالح مع الآخرة .

أما على المستوى الديواني فأن تجربتي مع الأستاذ ودكتور الهادي، فهي أعمق وأوسع خصوصاً بعد تشرفي بإدارة مركز الجهاد الليبي أو المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية .

وقف الدكتور الهادي كعادته مع وطنه وقومه تلاميذه ، وجاء بأريحية وإرادة صادقة، وحب للعطاء والوفاء للوطن، فكانت مساهماته في بناء المركز في أربعة مجالات هي المؤتمرات والتدريب والإشراف والنشر .

في سنة 1981م عمل المرحوم أ.د. الهادي مع المركز في الأعداد لمؤتمر تجارة القوافل ، فكان عطائه ومساهماته خير عون على إنجاح أول مؤتمر حول هذا الموضوع في ليبيا .

في سنة 1983م شارك مع بقية الأساتذة في الندوة العلمية التي أقامها المركز حول الاستيطان الايطالي بليبيا وكانت مساهمته دليلاً واضحاً على تمكنه في اللغات والبحث والتجديد .

وفي مجال التدريس وإعداد الباحثين وتعليمهم مناهج البحث والتعليم ، وقف الأستاذ الدكتور الهادي مع المركز في برنامج الدراسات العليا للباحثين من 1985م إلى 1989م ، وأغلب باحثي المركز المتواجدين به أو الذين استوعبتهم الجامعات الليبية، للدكتور الهادي فضل الأعداد والتدريس         أو المناقشة كما فعل مع الأخ عياد قداد .

أما في مجال النشر فأن المركز حظي بومضات من عطاء وفكر الأستاذ الهادي رحمه الله ، فكتب مقال في مجلة الشهيد 1983م ، وفي 1984 ساهم مع بقية الأساتذة في مقالات كتاب الاستيطان الايطالي لليبيا، كما ساهم مع غيره من الأساتذة في تأليف كتاب بحوث ودراسات في التاريخ الليبي الجزء الثاني وذلك سنة 1984م .

وفي سنة 1990م حضيت مجلة البحوث التاريخية بمقال من الدكتور الأستاذ الهادي أبو لقمة .

وأختم هذه المداخلة باستعراض عام لمزامنتي لهذا الأستاذ الفاضل الذي جمع في رأي بين العلم والعمل وبين المسايرة والمعاندة وبين التواضع والتكبر وهو في كل ذلك ينطلق من شخصية متوازية لا تحيد عن الحق     ولا تشتري بمال أو جاه ولا تخاف النتائج في سبيل المبادئ ، وهو من  جيل رواد متى انتهوا أطال الله في عمر من بقي ، سنردد لفقدهم قول الشاعر : 

مات الذين يعاشر في أكنافهم

                        *** وبقي الذين حياتهم لا تنفع  

وفي كل خير

والســــــــــــــــلام عليــــــــــــــــكم ،،

 

 

 

 

 

 

                                        ((  أ . د     محمد الطاهر الجراري  ))